الأحد، 12 يوليو 2020

مدارات اللغة في العقل البشري

كيف نشأت وتطورت لدينا اللغة المحكية من الإشارات والإيماءات إلى لغة محكية ثم مكتوبة ؟ في البدء بالتنبيه والإشارة وإعطاء الأوامر , ثم الدلالة للأسماء والأفعال , ثم التصنيف الذي اعتمد التعميم نتيجة التشابه في بعض الخصائص , مثال الطعام هو كل ماهر صالح للأكل . ثم كما ذكرنا ذكر الحوادث والقصص والروايات .
وكما ذكرنا إن أهم ما يميز دماغنا عن باقي أدمغة الكائنات الحية الأخرى جميعها هو المناطق المسؤولية عن اللغة الموجودة بين مراكز الأحاسيس في اللحاء , فلبعض الكائنات الحية مثل الفيلة والحيتان لحاء ومتطور ولكن لم تتشكل وتنمو مناطق اللغة التي تربط مراكز الأحاسيس مع بعضها كما هي موجودة لدينا . فنحن نستطيع تمثل الكثير من أحاسيسنا وأفكارنا بكلمات تدل عليها وننقلها بواسطة الكلمات المحكية للآخرين .
وكان لنشوء الثقافة والحضارة نتيجة التوارث الاجتماعي للأفكار والمعلومات والتصرفات والتقنية بكافة أشكالها , الدور الأساسي والأهم الذي جعل تفكيرنا مختلف ومميز عن باقي الكائنات الحية . فنحن البشر دماغنا لديه خصائص موروثة بيولوجياً , بالإضافة إلى أنه يكتسب موروث اجتماعي فكري ثقافي تقني , وهذا ما ميزنا عن كافة الكائنات الحية .
ويمكن أن يظهره مقدار وأهمية الموروث الفكري الاجتماعي إذا جعلنا مولود بشري يعيش بطريقة تعزله عن كافة التأثيرات الاجتماعي , وتوفير مستلزمات الحياة والبقاء له ( لأنه يستحيل عيشه دون مساعدة كأن ترعاه حيوانات أخرى ويعيش في مجتمعها ) وجعله يعتمد على الموروث البيولوجي فقط , ودون الموروث الاجتماعي البشري , في تعامله مع ظروف الحياة . عندها نلاحظ الخصائص فكرية وتقنية التي سوف يخسرها , إنه قبل كل شيء سوف يخسر اللغة وبذلك يخسر كل ما تمنحه اللغة من ميزات فكرية عن باقي الكائنات الحية , وهذا سوف يجعله شبيه بباقي الكائنات الحية المتطورة ولن يتفوق عليها إلى قليلاُ هذا إذا تفوق .
نشوء الكائنات الفكرية لدينا .إن الأفكار هي بمثابة كائنات الفكرية وهي بنيات غير مادية , وهي تكون عالم الفكر. ومثلما نشأت الكائنات الحية من العناصر والمركبات الكيميائية بعد أن تفاعلت حسب القوى والآليات الموجودة , كذلك نشأت الكائنات الفكرية في الأجهزة العصبية لدى الكائنات الحية . وكان نشوؤها متسلسل ومتطور , إلى أن وصلت إلى ما هي عليه لدينا في الوقت الحاضر .فالأفكار أو الكائنات الفكرية تتكون في أول الأمر - أوفي شكلها الخام - في الجهاز العصبي من السيالات العصبية الكهربائية الواردة من المستقبلات الحسية . فالمتقبلات الحسية بكافة أشكالها تحول - أو ترمز - بعض أنواع التأثيرات الفيزيائية - ضوئية , صوتية , حرارية , ميكانيكية , كيميائية , إلى نبضات عصبية كهربائية على شكل سيالات كهربائية عصبية , ترسل إلى الدماغ الذي يقوم بتقييمها وتصنيفها بناءً على نتائج تأثيراتها على الجسم , إن كانت مفيدة أو ضارة أو محايدة , ثم يقوم بالاستجابة بناءً على ذلك . لقد كانت وسيلة إعلامية , وكذلك وسيلة تنفيذية تقوم بالاستجابات أن كانت استجابات كيميائية , أو حركية , وتطورت ليصبح جزء منها حسي واعي .ولدى الإنسان الذي يعيش في مجتمع تطورت هذه البنيات الفكرية العصبية , فترابطت سلاسل لتشكل بنية فكرية متطورة . وقد حدثت قفزة كبيرة عندما مثلت بعض البنيات الفكرية بإشارات - أصوات وتعبيرات وحركات ومن ثم كلمات تدل عليها , وهذا أدى لنشوء البنيات الفكرية اللغوية . فهذه الدلالات - أو البنيات اللغوية الفيزيائية - عادت ودخلت إلى الدماغ كمداخلات حسية , و تحولت من جديد لبنيات فكرية خام وأصبحت بنيات فكرية دلالية أو لغوية , فهي ترمز أفكار تم إرسالها من إنسان لأخر . وبذلك نشأت وسيلة تستطيع بها هذه البنيات الفكرية الخروج من الدماغ أو العقل الذي نشأت فيه الانتقال إلى دماغ أو عقل آخر , وهذا يتم بعد أن تتحول البنيات الفكرية اللغوية إلى بنيات فيزيائية لغوية دلالية - مؤثرات فيزيائية إشارات وأصوات وحركات وإيماءات - فإذا تلقتها حواس إنسان آخر يمكن أن تصل إلى دماغه وتتحول إلى أبنية فكرية لغوية ثم إلى أبنية فكرية , هذا إذا تم فك رموزها . و بهذا استطاعت الأبنية الفكرية أن تنتقل من دماغ إنسان إلى أخر , وتصبح مهيأة لكي توضع فيه . أي يمكن أن تتحول البنيات الفيزيائية الدلالية أو اللغوية , إلى أبنية فكرية عصبية .كيف أصبحنا نتمثل أو نتصور الوجود مقارنة بباقي الكائنات الحية إن نتيجة الحياة الاجتماعية والنشوء الثقافة والحضارة صار تعرفنا على الوجود ليس فقط عن طريق الحواس , فالثقافة أصبح دورها يضاهي دور الحواس في تعرفنا على الوجود . فالترميز اللغوي للأفكار والتواصل بين العقول ونشوء المعارف أو الثقافة وتناميها هو من يحدد الآن نموذج الوجود لدى كل منا . فعندما شكّل عقل الإنسان الأفكار أو البنيات الفكرية , التي استطاعت أن تمثل البنيات الواقعية وتمثل تفاعلاتها مع بعضها , تكون زمن فكري يمثّّل الحوادث و صيرورة الوقائع . فهو ( عقل الإنسان ) يستطيع أن يعرف أي يتنبأ بالأحداث , أو نتائج تفاعلات بين بنيات , حدثت في الماضي أو سوف تحدث في المستقبل . وكذلك يستطيع أن يتنبأ بحوادث أو تفاعلات لم يتأثر إلا بجزء قليل منها , فهو يكمل ما ينقصه ويضع سيناريو للكثير من تلك الحوادث . واستطاع دماغنا تشكيل نموذج مختصر وبسيط للوجود وصيرورته , بواسطة البنيات الفكرية التي شكلها , تمكّنه من تحريك أو مفاعله النموذج الذي شكله للوجود , إلى الأمام إلى المستقبل وهذا هو التركيب , أو إلى الخلف إلى الماضي وهو التحليل . وذلك بسرعة أكبر من سرعة تغيرات الواقع الفعلية . فالدماغ بواسطة معالجة ما يرده من المستقبلات الحسية ( أي التفكير ) يستطيع السير بتفاعلاته الفكرية بسرعة أكبر من السرعة التي تجري فيها في الواقع , أي إلى المستقبل . وكذلك يستطيع السير إلى الماضي عن طريق عكسه التفاعلات أو التحليل , ووضعه لسيناريو لما يمكن أن يكون حدث أو ما سوف يحدث , وتزداد دقة تنبؤاته باستمرار لتقترب من الواقع الفعلي .
المعالجة التسلسلية والمعالجة التفريعة أو المتوازية للأفكار .
نحن فقد من بين كافة الكائنات الحية نعتمد التفكير الإرادي ومعالجة الأفكار بطريقة تسلسلية نتيجة التفكير بوجود اللغة , وذلك بالإضافة للطريقة التفريعة التي تفكر بها غالبية الكائنات الحية . والذي يقوم بعملية المعالجة المتوازية للمداخلات الحسية هو الدماغ القديم ألزواحفي والدماغ الجوفي , وكان يقوما بذلك قبل نشوء الدماغ الحديث بما فيه اللحاء . لقد كان الدماغ ألزواحفي يقوم بمعالجة مجموعة مداخلات في نفس الوقت أي بالتوازي, وليس واحد بعد الآخر, فقد كان لهذا الدماغ القدرة على معالجة كافة المداخلات في نفس الوقت .فالدماغ في أول نشأته كانت مهمته معالجة كافة المداخلات الحسية في نفس الوقت أي بالتوازي , والمثير الأقوى والأهم هو الذي يقرر الاستجابة , وذلك بعد مقارنة كافة المثيرات الداخلة للمعالجة مع بعضها في نفس الوقت . ثم بعد ذلك صارت بعض المداخلات تأخذ أهمية ليس لقوتها أو تأثيرها الحاضر ولكن لتأثيرها المستقبلي الهام , وهذا حدث نتيجة تشكل آليات المشروطة أو ترابط المثيرات مع بعضها نتيجة التجاور المكاني أو الزماني أو معانيها .أن أهمّ خاصية للمعالجات الفكرية الإرادية الواعية لدينا والتي تميزنا عن باقي الكائنات الحية , والتي تشكلت نتيجة استعمالنا للغة محكية وتعتمد السببية والمنطق , هي ألتركيزه على سلسلة مسار حوادث واحد للتفكير فيه ومعالجته من ضمن المداخلات الكثير , ومن المفيد تجنب تشتيت الانتباه عند ملاحظة المثيرات الجديدة , والتركيز على تحديد الهام منها لمعالجته هو فقط والتغاضي عن البقية , والاستمرار في ذلك المسار حتى نصل إلى نتيجة أو يحدث مثير جديد وهام يستدعي قطع المعالجة الجارية والالتفات لمعالجة هذا الجديد . فالتفكير ألسببي والمنطقي والرياضي يعتمدوا المعالجة بالتسلسل , لذلك هم مقيدين ومحدودين بسلسلة واحدة من الأفكار .إن غالبية تصرفاتنا تجري بناء على أوامر وتوجيهات الدماغ القديم . وتصرفاتنا الإرادية الواعية والمعتمدة على التفكير اللغوي ولسببي والمنطقي تكون بمشاركة الدماغ الحديث بما فيه اللحاء . وفي الأساس معالجة الدماغ للواردات الحسية البصرية تجري بالتوازي أو بالتفرع وفي نقس الوقت في عدة مناطق من الدماغ , وكذلك معالجة الواردات الحسية الصوتية تعالج بالتفرع , وكافة الواردات الحسية تعالج كلها في نفس الوقت .
إن المعالجات الفكرية الإرادية الواعية لدينا التي تكون معالجة بالتسلسلية , وفي نفس الوقت تجري معالجة بالتوازي في الدماغ ألزواحفي والدماغ الجوفي وتكون غير واعية , ويتم إرسال نتائج هذه المعالجة إلى سبورة الوعي , فالدماغ الجوفي ينظم دخول المثيرات والأفكار بعد أن يعالجها بالتوازي إلى سبورة الوعي , فتشارك في تحديد الاستجابة .والشيء المهم أن المقارنة اللازمة لإجراء القياس والحكم يلزمها معالجة بالتوازي , فلكي تتم مقارنة مجموعة مداخلات أو مؤثرات أو أفكار مع بعضها البعض يجب إدخالها معاً لمعالجتها دفعة واحدة , لذلك نجد دماغنا يستخدم المعالجة التسلسلية والمعالجة المتوازية في نفس الوقت .إن الواقع هو ناتج تفاعل كمية شبه لا متناهية من العناصر وتفاعل بآليات متعددة الأسباب . وهنا يكمن ( ضعف أو قوة ) التفكير الإرادي الواعي الذي يعتمد تسلسل الأفكار مقارنة بالتفكير الحدسي الذي يعتمد التفكير المتوازي للأفكار في نفس الوقت , لأنه يعتمد سلسلة واحدة من الأفكار . ومن أهم ميزات التفكير التسلسلي دقته العالية ووضوحه ( لأنه واع ) أكثر من التفكير المتوازي الحدسي .ونحن نجد المخيخ مثال على التفكير الامتوازي , فهو أقدر أبنية دماغية على المعالجة المتوازية , فهو يستطيع معالجة الكثير من أعقد الأوضاع الحركية دفعة واحدة أي في نفس الوقت مثل المشي مع المحافظة على التوازن أو ركوب دراجة . . , وتتم هذه المعالجة غالباً دون تدخل الوعي , وعندما يتدخل الوعي تنخفض قدرات المخيخ ويصبح المخيخ يعالج مسار واحد من حركات الجسم وعندها يصعب تنفيذ الحركات المتزامنة في نفس الوقت ويختل نظام أداء العمل .المعالجة الفكرية التسلسلية تعتمد التسلسل زمني . قصص و روايات و سير , والتسلسل سببي لنفس الأسباب والنتائج والترابطات السببية أو المنطقية , الرياضيات والهندسة , الفرض – الطلب - البرهان كمثال . وعمل دماغنا يعتمد على المشاركة بين التفكير التسلسلي والتفكير ألتفرعي أو المتوازي وهو يظهر على شكل حدس وإلهام , لإدارة وتنظيم كافة أمور حياتنا . وهناك اختلافات بيننا من ناحية اعتمادنا عل التفكير التسلسلي أو التفكير ألتفرعي , فبعضنا يركز على التفكير التسلسلي , وعادة يكون متفوق بالرياضيات والمنطق , والبعض الآخر يركز على التفكير ألتفرعي وعادة يكون متفوق بالشعر والأدب والموسيقى والرسم ومخيلة خصبة .

عدنان الدوسري

التأثيرات الخارجية في العقل البشري

أن قدرات الذكاء التي تكتسب نتيجة الحياة والحياة الاجتماعية فهي  قوة برامج التفكير المكتسبة التي تم تعلمها نتيجة الحياة , وكمية المعلومات أو المعارف الدقيقة المكتسبة , وهذا يكون عادة تابع لظروف الحياة , وبشكل خاص تأثيرات المجتمع بالنسبة لنا نحن البشر , فهذه التأثيرات هي أساس تميز تفكيرنا عن باقي الكائنات الحية .أما حساب نسبة وزن الدماغ إلى وزن الجسم في تحديد قدرات الذكاء التي تستعمل غالباً , فهي غير دقيقة . إن وزن الدماغ الإنسان بشكل عام يتراوح بين 1300 غ و2000 غ ، ووسطياً وزن دماغ الأنثى أقل بحوالي 200 غ , فهو بذلك يكون (50/1) من حجم جسم الإنسان . ويقدر وزن دماغ الفيل بين 4000 – 4500 غ , لذا يكون (500/1) من حجم الفيل . ويرى البعض أن الرجل ليس أذكى من المرأة لأن وزن دماغه أكبر . و ليس الفيل أو الحوت أذكى من الإنسان ؛ إذا اعتمد في تحديد الذكاء نسبة وزن الدماغ إلى وزن الجسم ككل . ولكن إذا ما قورن دماغ الإنسان بدماغ طائر السنونو فإن وزن دماغ الإنسان يشكل نسبة 2.5 % من وزن الجسم كله . أما وزن دماغ طائر السنونو فيشكل نسبة 4.2 % من وزن الجسم كله ) أي نسبة وزن الدماغ إلى وزن الجسم غير دقيقة.والملاحظ أن الدماغ يتطور باستمرار نتيجة التعلم ، فالزوائد الشجرية تتفرع كلما اكتسبنا معلومات جديدة ، و زيادة تفرعها يزيد من الذكاء , و بالتالي قدرة أقوى على تذكر المعلومات ، فكلما زاد تشابك الخلايا العصبية في المخ زادت نسبة تواصلها وتبادلها للمعلومات والعمليات المنطقية , وهذا يجعل لوزن الدماغ وعدد خلاياه ومشابكه تأثير أساسي على كمية الذكاء .إن البحث في تطور العقل البشري يبدأ عادة بالسؤال السهل والصعب في آن معاً وهو :ما الذي تغير في الدماغ وسمح بالتغير في طريقة تفكيرنا وجعلنا بهذا الذكاء ؟لقد رأى عالم النفس الكندي ((ميرلين دونالد)) أن ذلك مرتبط بطريقة تمثيل عقلنا للواقع , ووجود علاقات اجتماعية متطورة ومعقدة سمحت بتعليم ما يتم اكتسابه من معارف للأبناء وباقي أفراد الجماعة . وهو يرى أن تطور العقل له علاقة جوهرية بالطرق التي يمثل بها تجاربه و كل ما يصادفه من أشياء وحوادث . فهذا يسمح للعقل إدارة أفضل للمعلومات المخزنة فيه عن التجارب التي يعيشها . ونتيجة ذلك استطاع عقلنا تشكيل المفاهيم التي تدل على الأشياء والحوادث , وعن طريق تداول هذه المفاهيم بين الجماعة صار بالإمكان تحقيق تواصل أكثر فاعلية ووضوح , وهذا سهل نقل الخبرات المكتسبة إلى الآخرين . وكذلك سمح باسترجاع الذكريات المخزنة بسهولة ودقة أكثر , ونقلها للآخرين . وقد حدثت قفزة كبيرة نتيجة الانتقال من التخاطب الإيمائي بالإشارة إلى التخاطب الصوتي اللغوي المتطور . فقد كان نقل التجارب والمعلومات للآخرين وتعليمهم معقد وصعب باستعمال الإيماءات والإشارات , فباستخدام التمثيل المتطور نتيجة اللغة المجدية أصبح انتشار الثقافة أسهل وأسرع .إن النموذج الذي قدمه ((دونالد)) بارتكازه على علم الآثار وعلم النفس الحديثين يمكن أن يلخص لنا قفزات عديدة حصلت في كيفية إدارة المعلومات المخزنة في الدماغ , حيث كانت كل قفزة تعطي مستوى جديدة من المعرفة وحالة جديدة من الإدراك والوعي .
ويرى ((دونالد))أن أول قفزة معرفية حدثت منذ ما يقارب مليوني سنة مع أول ظهور للبشر البدائيين من فئة الإنسان العاقل حيث تشير أدواتهم الحجرية المتناسقة إلى وجود عقل جديد يمتلك القدرة على التمثيل " الإرادي " , وكان يقوم بتمثيل وتعليم ذريته ورفاقه طريقة صنع تلك الأدوات . فبذلك أصبح بمقدور العقل القدرة على انتقاء تجربة من الماضي وإعادة تقديمها للآخرين . فقد كان يتطلب إيصال الذكريات المسترجعة بشكل " إرادي " القدرة على التمثيل ,الذي يمكّن من إيصال المعلومات التي تسمح بتعلم ونسخ ما تم صنعه سابقاً . وكان ذلك في أول الأمر يعتمد على التواصل عن طريق الإيماءات والأصوات التي ترمز نقل التنبيهات والتوجيهات و من ثم الأفكار للآخرين . فكان يرسل الشخص المعلومات بواسطة الإيماءات الجسدية والأصوات التي سبقت ظهور اللغة , ثم دمجت مع بعضها لتمثيل سلسلة من الأحداث المترابطة , ومن ثم مثلت على شكل مسرحيات بسيطة تعتمد الإيقاع والرقص .أن تطور وارتقاء إدارة الدماغ للمعلومات المخزنة فيه والتجارب التي يعيشها , كانت منذ حولي مليوني سنة , فقد بدأ باستخدام الأدوات البسطة . لقد كان الإنسان حينها يملك قدرات جسمية متواضعة نسبياً , مع وجود بيئة وأوضاع وحوادث متنوعة كثيرة ومعقدة و خيارات كثيرة ووجود الكثير من التهديدات والأعداء . فكان بحاجة الماسة للتكيف مع الظروف والبقاء , وهذا أدى لتطور القدرات بشكل سريع , لأنه دفع الدماغ لبناء أو تشكيل برامج فكرية متطورة ومعقدة تسمح بالتعامل مع تلك الأوضاع , وبالتالي دفع الدماغ وبالذات اللحاء للتطور والنمو السريع خلال زمن قصير نسبياً . كل هذا أدى إلى توصل الدماغ لقدرات تمثيل وترميز الواقع بأفكار مناسبة . وهذا كان أهم عوامل حدوث القفزة التي ميزتنا عن باقي الكائنات الحية , وهي القدرة على التخاطب الفعال بواسطة الإيماءات والإشارات , والأهم تمثيل الواقع بلغة محكية ثم مكتوبة متطورة .

هدنان الدوسري

السبت، 28 سبتمبر 2019

التفكير خارج الصندوق في زمن الفساد


التفكير خارج الصندوق في زمن الفساد

كثيرا ما يراودني  حلما أن اصبح رئيسا اطبق جميع معايير التنمية والاستدامة والمساواة وحقوق الأنسان في مملكتي وبدأت اشعر أن كرسي الرئاسة ليس هدفا حقيقيا أنما هو وسيلة من الوسائل التنفيذية الذي بدأت تلعن في مجتمعاتنا الأوسطية  فقررت أن ابسط يدي للشباب واجعل منهم رؤساء لجمهورية مواقعهم العلمية عبر سياق علمي نحو تحقيق أحلامهم  . وما اثأر رغبتي بكتابة هذا المقال هو ما تعرض له حملة الشهادات العليا من أهانه  في احدى ساحات الاعتراض. جلست أراقب عن كثب هؤلاء الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي ماذا سيفعلون بعد هذه الإهانة ؟  للأسف الشديد لم اجد سوى حالات الاستنكار والتنديد عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي ,تكلمت مع الكثير ممن تبللت شهاداتهم بالماء. ماذا ستفعلون بعدها, فكانت الإجابة. نبقى ندد وندين !!!! هل هكذا تحل الأمور وفق منطقية التفكير المنطقي للخروج من هذا الاحتدام والصراع بين الحكومة والتكدس من الخريجين دون إيجاد فرص لهم لتحقيق أحلامهم  ورسالتي  للشباب الذين يرغبوا بالخروج من هذه الأزمة فاذا كنت منهم اقرأ المقال . واذا كنت ممن يستسلموا للضياع والاكتئاب .. لطفا  اترك المجال لغيرك
بين الحلم والحقيقة
منذ نعومة أظافرنا كانوا يسالونا عندما تكبر ماذا  ستصبح و كنا ردنا ( طيار – مهندس – طبيب – الخ )  ولم يعلمونا كيف نحقق  أحلامنا  والنتيجة  كم عدد الذين كانوا يحلموا بهذه المهن  اصبحوا يمتهنونها- النسبة تكاد لا تذكر- وعندما نتخرج من الثانوية يكون المعدل  هو الفاصل واللجان الانسيابية هي من  تقرر .  المسافة بين الحلم والحقيقة  أما أن تقف وتنتظر أن يأتيك  المخلص بمعجزة وهذا يتطلب منك عمرا إضافيا  فحينها  أما أن تكون  مريض نفسيا  رافضا حتى الهواء  وتلعن كل المسميات  حتى تصل الموت دون منفعة لشخصك أو لأهلك أو لوطنك  أو وان تسير نحو تحقيق حلمك . أنت من يقرر ذلك ولا تعلق أخطاءك على غيرك. فكثير من الدول المتقدمة التي تحلم بها أنت لا توجد فيها وظائف تنتظر الخريجين الجدد. أنما يتدربون الخريجين عن كيفية رسم المستقبل المهني لهم
  نمطية التقليد
يسعى كثير من الشباب إلى الاتجاه نحو التوظيف الحكومي معتقدا انه الأمان والاستقرار الاجتماعي والمالي ولكن اغلب الدراسات تشير أن التوظيف الحكومي لا يعطيك شيء من هذه المسميات أنما يجعلك مقيد دون أبداع وتجديد وخبرات تكون محدودة لبعض الأحيان  احذر أن تكون نمطيا تعمل وفق جدول زمني محدد مثل ماكنة تدور... تدور دون رؤية مستقبلية .
تراكمات الماضي
 أن اغلب الأسباب التي تقف أمام الشباب في تفكيرهم نحو التغير هو  فقدانهم طرق التفكير الإبداعي وهذا يأتي من بعض المفاهيم الخاطئة التي توارثناها عن  الأزمنة التي كانت تحدد أنظمة الحياة ببساطة وعفوية  ولهذا اصبح اغلبهم  خاضعا لتلك المفاهيم  التي أصبحت متلازمة معه دون ادراك للوعي الذي ناله عبر شهادته العليا متزامنا انه اذا نال شهادته العليا ينال اعلى وظيفة أو كرسيا  للتدريسين الجامعين فاذا كان يعتقد الخريج أو حملة الشهادة العليا ان شهادته هي جسر التوظيف فلابد أن تقف طويلا لتحليل هذه الشخصية  . وكان الحلول لا تأتي إلا عبر الوظيفة فان هذا المفهوم يعد خطئا جسيما بحقك أنت. الإشكالية الآن عن كيفية إيجاد حلولا لهذه التراكمات حتى تغير المسار نحو حياة افضل  فاغلب حملة الشهادات  يجدون انفسهم  في ضياع برغم انهم يمتلكون حلولا متنوعة ولكنهم  لا يروها بسبب  هذه المفاهيم .
   الخوف من الخطوة الأولى
  لم يعد الخوف حالة شعورية بل تجاوز  هذا الحد حتى وصل إلى سلوك  واضح عند اغلب حملة الشهادات العليا  بطرق التفكير الإبداعي نحو الخطوة الأولى ونحو العمل الحر والاستفادة من المؤهل العلمي الذي يحملها  وتحويها إلى أداة منفعة مالية  وهذا الذي نفتقده ,وهذا السبب يعود إلى الوعي التعليمي بجامعاتنا العربية بشكل عام والعراق بشكل خاص وأثاره على تكون الشخصية المبدعة في المهن العلمية والفنية ويعرف الإبداع على أنّه القدرة على الإتيان بأمر جديد في مجال تخصصه  ، كما يمكن وصف طرق التعامل مع الأمور المألوفة بطرق غير مألوفة على أنّها إبداع ، و يمكن إخراج عمل إبداعي بواسطة المشاركة الجماعيّة لعدة أشخاص نحو تجاوز الخطوة الأولى كما فعلوا ستيف جوبز، ستيف وزنياك، رونالد واين  بتأسيس شركة ابل .
بعيدا عن المشاعر
لا تدع المشاعر تتغلب عليك في انتظار الوظيفة حاول جاهدا بتفكير كيف تخرج من دائرة الانتظار الى رسم مستقبل مهني  بعيدا عن المشاعر والاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي تحيطك  بكتابة كافة الافتراضيات ونقاط القوة  التي تتمتع بها ونقاط الضعف التي تقع فيها والفرص المحتملة التي يمكن الاستفادة منها والتهديدات التي تواجهك لتضعها وتفكر بعقلك كيف تستفيد من هذه المعطيات  واجعل عقلك الباطن حاضرا معك بأفكار عبر العصف الذهني  لها ..جرب ولا تخف
 التفكير خارج الصندوق في زمن الفساد
الفساد أصبح حالة عمومية ويعد ظاهرة مركبة ومعقدة، تشمل الاختلالات التي تمس الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقيمي والأخلاقي  وليس هنا بصدد تحليل الفساد الذي ينخر مؤسساتنا بل افكر كيفية اجد مكانا  بعيدا عن هذه الحالة النتنة  عبر التفكير خارج الصندوق بهذه الحالات الصعبة ومن اهم طرق التفكير خارج الصندوق هو كتابة كافة الفرضيات وضع لها اكثر من حل واكثر من سيناريو  واكثر من فكرة وكلما زادت عندك الأفكار زادت عندك الفرص وبذات الأبواب تتفتح أمامك بوقت قصير  فاعلم أن النجاح يأتي من تجارب متكررة حتى تصل إلى فكرة تلائمك وحولها إلى مشروع واستعين باهل الاختصاص عن كيفية تحويلها إلى ارض الواقع  بعيدا عن كل ما يزعجك من ضوضاء السياسة ومنشورات الفيس بوك التي لا تغني من جوع
واليك مثال بسيط للتفكير خارج الصندوق
  الطالب والباروميتر
في امتحان الفيزياء في جامعة كوبنهاجن بالدانمارك جاء أحد أسئلة الامتحان كالتالي: كيف تحدد ارتفاع ناطحة سحاب باستخدام الباروميتر (جهاز قياس الضغط الجوي)؟الإجابة الصحيحة: بقياس الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وعلى سطح ناطحة السحاب.إحدى الإجابات استفزت أستاذ الفيزياء وجعلته يقرر رسوب صاحب الإجابة بدون قراءة باقي إجاباته على الأسئلة الأخرى.الإجابة المستفزة هي : أربط الباروميتر بحبل طويل وأدلي الخيط من أعلى ناطحة السحاب حتى يمس الباروميتر الأرض. ثم أقيس طول الخيط ... غضب أستاذ المادة لأن الطالب قاس له ارتفاع الناطحة بأسلوب بدائي ليس له علاقة بالباروميتر أو بالفيزياء, تظلم الطالب مؤكدا أن إجابته صحيحة 100% وحسب قوانين الجامعة عين خبير للبت في القضية... أفاد تقرير الحكم بأن إجابة الطالب صحيحة لكنها لا تدل على معرفته بمادة الفيزياء. وتقرر إعطاء الطالب فرصة أخرى لإثبات معرفته العلمية...ثم طرح عليه الحكم نفس السؤال شفهيا.فكر الطالب قليلا وقال: " لدي إجابات كثيرة لقياس ارتفاع الناطحة ولا أدري أيها أختار" فقال الحكم: "هات كل ما عندك"فأجاب الطالب: يمكن إلقاء الباروميتر من أعلى ناطحة السحاب على الأرض، ويقاس الزمن الذي يستغرقه الباروميتر حتى يصل إلى الأرض، وبالتالي يمكن حساب ارتفاع الناطحة . باستخدام قانون الجاذبية الأرضية.اذا كانت الشمس مشرقة ، يمكن قياس طول ظل الباروميتر وطول ظل ناطحة السحاب فنعرف ارتفاع الناطحة من قانون التناسب بين الطولين وبين الظلين إذا اردنا حلا سريعا يريح عقولنا ، فإن أفضل طريقة لقياس ارتفاع الناطحة باستخدام الباروميتر هي أن نقول لحارس الناطحة : "سأعطيك هذا الباروميتر الجديد هدية إذا قلت لي كم يبلغ ارتفاع هذه الناطحة" ؟أما إذا أردنا تعقيد الأمور فسنحسب ارتفاع الناطحة بواسطة الفرق بين الضغط الجوي على سطح الأرض وأعلى ناطحة السحاب باستخدام الباروميتر .كان الحكم ينتظر الإجابة الرابعة التي تدل على فهم الطالب لمادة الفيزياء، بينما الطالب يعتقد أن الإجابة الرابعة هي أسوأ الإجابات لأنها أصعبها وأكثرها تعقيدا.بقي أن نقول أن اسم هذا الطالب هو " نيلز بور" وهو لم ينجح فقط في مادة الفيزياء، بل إنه الدانماركي الوحيد الذي حاز على جائزة نوبل في الفيزياء.

        عدنان الدوسري
 مستشار بنمو المشاريع وتطوير القدرات

الثلاثاء، 1 أغسطس 2017

نمطية التغير



نمطية التغير
سؤال مررنا به كثيرا وكل شخص له تفسيرا معينا له. ولعل الكثير يتفق معي بان نمطية التغير السلوكي للفرد بدأت تتغير منذ مطلع التسعينات ولو طابقنا جيل الاربعينات وحتى نهاية جيل الستينات لوجدناهم أكثر تماسكا بالسلوكيات ولعل البعض يعطي تبريرا حيث لا يوجد تهديدات للتغير السلوكي كما هو حاصل الان.
والمقصود بالتهديدات السلوكية هي التغيرات التكنلوجية ومواقع التواصل الاجتماعي التي فرزت لنا بعض السلوكيات الضارة وانا اتفق بعض الشيء مع هذا المبدأ.   ولكن لسنا الوحيدون في العالم من يستخدم هذه التقنيات. تشير الدراسات ان نسبة تأثيرها عالية لدينا بسبب عدم توفر قواعد سلوكية لممارسة هذا التواصل لتمنع أي سلوك سيئ يسيطر علينا فالتغير لا يأتي عبثا فجميع الأمم مرت بمراحل التغير واستطاعت ان تهذب الاطوار وتخلق مفاهيم تعكس إيجابا على المجتمع وتبقى المدينة الفاضلة حلما بين العقول من جيل إلى آخر دون تحقيقها على أرض الواقع. وأراد الفيلسوف اليوناني أفلاطون أن يؤسس هذه المدينة بخياله الخصب لتسود الرفاهية للجميع. وما يثير فضولي بالبحث عن أسباب تردي الشعوب سلوكيا ومنهجيا وقد استوقفتني هذه الجزئية كثيرا ولعل ما سوف اطرحه هو نتيجة انعكاسيا لما يحمله الفرد من قيم وعادات وسلوكيات تفرز عند كرسي المسؤولية مما يعطي انطباعا واضحا لما يحمله هذا المسؤول من مفاهيم هو اهتمام أصحاب القرار بعقوبة المخطئ وفق القوانين وهذا ليس عيبا بحد ذاته إنما هو نصف العلاج. وغالبا ما تركز المؤسسات على مقولة (من امن العقاب ساء الادب) ناسين بذلك ان العقوبة المستمرة تولد تمرد ذاتي وعاطفي لدى الكثير من الناس. وهذا مما يؤدي الى استمرارية الخطأ. ومفهوم العقوبة لدى مجتمعاتنا هو موروث ولكن هذا الموروث قد أسيئ استعماله في التطبيق ولعل البعض وكما تقول بلهجة العراقية (هذا ما يصير له جاره) أي بمعنى لا ينفع معه أي حل ناسين هناك حلول ومهارات كثيرا. ولكن هذه الحلول بعيده عن انظار المسؤول صاحب القرار.
لم أرى أي مؤسسة حكومية تضع استراتيجية لتقليل نسب البطالة او الحد من الجريمة أو تقليل نسب المخالفات أو ردع حالة التحرش وما إلى ذلك من أمور. ولم اشهد اي مسئول يظهر لنا على شاشات التلفاز او حتى بوسائل التواصل الاجتماعي يستعرض لنا الخط البياني لمؤسسته لستة أشهر او لسنة مضت كيف كان وكيف توصل إلى انخفاض المعدل او ارتفاعه وفق معادلات الانجاز. ترى إلى متى ترهقنا إعداد المخالفات والجرائم وهذه الاحصائيات المرعبة التي تواكبنا كل لحظة. هل إدارة المؤسسات المعنية بهذا الصدد صامتة. وتكتفي بالعقوبات المنصوص عليها وفق القوانين دون وضع حلول مناسبة لذلك. والمؤشرات البيانية في تصاعد او انخفاض والغريب ان المؤسسات تتباهى في ذلك؟
ايها المسئول ما هو دورك الابداعي في المؤسسة هل دورك تطبيق اللوائح والقوانين دون ان تضع مبادرات علمية للحد من الخطأ القائم في مؤسستكم.
 ان (انجاز) المعاملات او عقوبة المتهم او اعطاء محاضرة هذا اداء وظيفي وليس انجاز ابداعي وفق معادلة الإدارة؟
ليس من الضروري أن نكون ضمن المدينة الفاضلة 100% إنما علينا أن نصنع انسانا فاضلا قبل كل شيء. فكيف لنا ان نصنع هذا الانسان وهناك من يفكر بمبدأ العقوبة فقط؟ دون التفكير بتطوير الانسان ليكون عونا للحكومة. متى نعلمه ان ربط حزام الأمان حالة أخلاقية وليس مخالفة يعاقب عليها القانون. والمرأة هي جزء منك والحفاظ عليها واجب انساني وأخلاقي.
 وان أمن المجتمع انت جزء منه ... متى يعلموا أولادنا أن تحية العلم ليس فرض انا هو حب للوطن متى يعلموا شبابنا أن قيادة السيارة بسرعة جنونيه هو خطر ويسبب الدمار لك وللدولة. متى يعلموا بناتنا أن التقليد هو تعطيل للعقل والابتكار هو زهوها المنشود. متى يعلموا مصلينا بان الدين سبيل الى رقي للعقل وليس أداة ترهيب والخوف. متى نسمع الخطيب يدعو لنا ولا يدعوا علينا. نحن بحاجة إلى إعادة هيكلة الإنسان والقوانين معا. لنرتقي ونواكب تلك الدول التي تسارع الزمن وفق معطيات تطبيقية.
عدنان الدوسري

كاتب وباحث عراقي

الجمعة، 7 أبريل 2017

عيناك تعصرني

عيناك
تعصرني
تنسج لحظاتي
تهذب أطوار حياتي
ترجعني
طفلاٍ
تخدعني
بالهمسِ
وبعض الكلماتِ
سافرت كثيرا في راسي
فتشت كثيرا عن نفسي
عن وحدي
عن غثياني
فتعبت من الأوراق
ومن لغتي
من اغرب الواني
لكني
ما قبلت شفاه امرأة يوما
تجعلني
أنساني
إلا شفتيكِ


عدنان الدوسري

الثلاثاء، 28 فبراير 2017

الكاريزما والشخصية السياسية

قد يتأثر بعضنا ببعض والتأثير في الآخرين غريزة إنسانية قد عرفها الإنسان منذ القدم و سخر معظم إمكانياته العقلية و الجسدية و الإيديولوجية و حتى السياسية منها لإشباع هذه الرغبة, وتحقيق رغبته الملحة بمفهوم الشخصية _وقبل أن تكلم عن محور الموضوع لا بد علينا أن نفهم أن السياسي قبل كل شيء إنسان ويفرز معطيات ومن ضمن هذه المعطيات هي الشخصية والشخصية بحد ذاتها لها مدلولاتها الكثيرة والتي تتعلق بكينونة عاقلة التي يجب أن تدرك نفسها و حريتها وحدود الواجب الأخلاقي لها. وترتبط الشخصية في الطرح بالوعي للذات في إطار الصيرورة العامة والمطلقة لحركة الوجود لمنظومة الشخص ذاته ونقصد هنا_ السمات المميزة للإنسان كسمات بيولوجية وهي مسئولة أخلاقيا، وقانونيا واجتماعيا والسمات السيكولوجية ونقصد أيضا النظر إلى الإنسان كحياة نفسية تنمو وتتغير وفق معطيات ذاتية وموضوعية وما يترتب عن تراكمات من التجارب وخبرات تنعكس بسلوكيات الإنسان وحياته الفردية.
إن تحديد الشخصية السياسية كبناء أو كنظام يحتم معالجة المسألة من خلال الأطروحات التي حاولت تمثل الشخصية في منظومة فكرية معينة ، وعليه نجد أنفسنا أمام خطابات تحاول كل منها حصر الشخصية في إطارات خاصة تعكس ثقافة الشخصية والآثار نفسية لها. و عبر الطرح الأيدلوجيا لها وقد يختلف البعض معي أن معظم الناس يتأثر بهم ككيان قائم لا لثقافته ولا لطرح الفكري له والتاريخ شاهد على ذلك بل نتأثر بكاريزما التي تحيط بتلك الشخصية و كاريزما هي إلا صفة منسوبة إلى أشخاص بسبب صلتهم المفترضة بالقوى الحيوية المؤثرة والمحددة للنظام ( ماكس فيبر (Max Weber (1920_1864 ) ويعتبر ماكس أول من أعطى المصطلح صبغة سياسية عندما استخدمه للإشارة إلى القدرة التي يتمتع بها شخص معين للتأثير في الآخرين إلى حد أن يجعله في مركز قوة بالنسبة لهم وبحيث يمنح الواقعون تحت تأثيره حقوقا تسلطية عليهم كنتيجة لقدرته التأثيرية هذه .
فالمزايا التسلطية التي يتمتع بها الشخص (الكاريزمي) ويمارسها على الآخرين تنبع أساسا من إضافة الآخرين صفات وقدرات خارقة له مثل( الجاه) بأنه صاحب مهام أو بأن لديه قدرات إدراكية غير طبيعية ونفاذ بصيرة لا تبارى أو بأنه يتحلى بفضائل خلقية تعلو مرتبة البشر لتسمو به إلى مرتبة أعلى. ..و نظرية ثاقبة في السلطة هي من أشهر ما ارتبط باسمه وفيها بحث عن الأسباب التي تحمل الناس على الرضوخ إلى الأوامر الصادرة عن السلطة العليا.
وكاريزما وحدها لا تخلق شخصية تغيرية للمجتمع فكثير من الشخصيات تهاوت عروشهم بسبب اعتمادهم على هذه الصفة وحدها وإن اعتبار الشخصية السياسية واقعا حتميا يعكس الإفرازات في السلوكيات إيجابية كانت أو سلبية وهذا فعلا ما يدفع بنا إلى التساؤل التالي : ألا تملك الشخصية السياسية دورا في بناء شخصيته وعمق تأثيرها في المجتمع؟ لقد اطلعنا على الكثير من تجارب الشخصيات بأطروحات تؤكد ارتباط الشخصية السياسية بواقع المجتمع، وإنما تعتبر الشخصية السياسية وعيا إيجابيا فليست الشخصية مجرد إنتاج يتصرف ضمن علاقات مستقلة محملا بصفة واحدة يشعر بها أنها السبيل للوصول إلى كرسي الحكم وتأثير الشخصية السياسية لا تقتصر على (الكرسي) فكثير من الشخصيات السياسية رفضوا هذا الكرسي وذهبوا يبحثون عن ساحات للنضال لهم . وإنما كانوا دعاة على تغير أيدلوجية معين فكثير ممن الشخصيات تبؤ مناصب دون تؤثر بمجتمعهم وتعتبر فيها. أن لكل مرحلة حاضرة تجربة جديدة ومن ثمة تكون الشخصية بناء مستمرا يختاره الفرد بوعي منه فالشخصية السياسية ليست إنتاجا هندسيا، ولا هو وراثيا لأن النتيجة هنا تأتي مخالفة لكل الافتراضات المنطقية لصناعة التغير من أهم السمات التي تجعل الشخصية السياسية قوة تغيرية.
هي الرؤية الواضحة التي تنبثق عن منهج أو مشروع عملي واضح المعالم، واحتواء كل طبقات المجتمع بكاريزما مطبقا بذلك السلوك في التعامل وفق بناء صحيح ومتوازن والابتعاد على عناصر الأنا واتخاذ الخطوات الصحيحة وفق معاير الأنا الأعلى و القرارات السياسية التي تأتي خلافا لذلك تأتي بصورة ساذجة أو طائشة ما سيقود الرعية إلى التيه والضياع وفقدان البوصلة التي تشير إلى الاتجاه الصحيح. وما نجد في الساحة السياسية مع الأسف الشديد أفكار تهدف إلى تخويف الناس وإرهاب ومن يعارض القائد أو الحزب أو الدولة أو يتخذ موقعاً معادياً لها يتعرض إلى السلاح الأساسي هو القمع وكم الأفواه وبالتالي لسحق المعارضة بغية البقاء في السلطة...... يقول الدكتور أنيس صانع في مذكراته التي عالج فيها "مفهوم الزعامة السياسية من فيصل إلى جمال عبد الناصر" لو قلبنا صفحات التاريخ السياسي المعاصر للعالم العربي في أقطاره المختلفة لوجدنا أن مجموعة من الزعماء ألأكثر شهرة تنقسم إلى فئات ثلاث: "عاهل دولة، أو رجال ثورات أو انقلابات، ورجال أحزاب" و قد لا يوجد بين هؤلاء كلهم رجل فكر واحد.
ومن هنا استطاعت تلك الأنظمة بالادعاء بأنها هي الشعب ذاته دون أن تكون قد تسلمت المسؤولية من ذلك الشعب بالانتخاب الحقيقي ودون أن يكون هذا الشعب قد فوضها بأن تنوب عنه أو تمثله بشكل ايجابي بالانتخاب فلابد للشخصية أن تكون مرتبطة ارتباطا مع الفرد في المجتمع ، وفق سلوك سياسي يحمل سمات الثقافة والكاريزما وتدارك الظروف وأدوات التغير وهذه الرابطة الحاسمة هنا هي رابطة متماسكة التي تجعل السلوكيات الشخصية السياسية مقبولة رغم أن الحال قد تكون معكوسة تماماً لدى البعض من الشخصيات السياسية الذي ترتكز على تأثير على جانب واحد في التأثير فالمقبول يصبح مرفوضاً والمرفوض مقبولاً، فلابد من تحويل العمل الفردي إلى الجماعي، ولو جزئياً في مراحله الأولى، من خلال الإحساس بالمصير المشترك أذا ماردنا أن نتكلم عن الشخصية السياسية فلا اعتقد أن هناك قائد أو زعيم وصل إلى هذا الرقي في قيادة سواء في زمن الانقلابات أو الانتخابات مازال فكر الحاكم في الدول شرقنا المتوسط بعيد جدا عن هذا المفهوم وعاجز عن فهمه فلابد على الشخصية السياسية أن تدرك حقيقة الأمر بالخدمة المطلقة للشعب و تلتزم حقوقه...
  عدنان الدوسري

 كاتب وباحث عراقي

هل فعلا نحن نحتاج إلى قدوة؟

  هل فعلا نحن نحتاج إلى قدوة؟ لعل السؤال هنا يأخذ حيزا عميقا في كينونة الإنسان وخاصة العربي. عندما تطرح عليه من هو قدوتك سرعان ما يتنامى إلى...